البيان التأسيسى
مرت مصر على امتداد عامين منذ اندلاع ثورتها فى 25 يناير 2011 بفترات
عصيبة وكبوات لم نكن نتخيلها بعد ثورة ملهمة كالتى قمنا بها , والتي لم يكن
لها قائد سوى الميادين وثوّارها .
ولكن الذى حدث بعد 11 فبراير من
إراقة لمزيد من الدماء الطاهرة , وتعطيل مُتعمَّد لتحقق أهداف الثورة
ولمسار بناء جمهورية ما بعد الحرية , وبعد أن اعتقد الثوار أن اعتلاء رئيس
مدنى للسلطة فى مصر سيبدأ عهداً جديداً للجمهورية المصرية الثانية , دون
دماء ودون ظلم أو خروج على أسس وأركان دولة المؤسسات والقانون , وسيلمس
المصريون خطوات جادة وبرنامجاً قوياً لبناء الدولة التى تليق بالدماء
المبذولة , لم نجد ــ كشعب وثوَّار ــ إلا الأسوأ على كل الأصعدة , ولم
نشهد إلا مزيداً من الدماء والقتل والسحل والاعتقال وخطف وتعذيب للنشطاء
وبموافقة صريحة وأوامر مباشرة من النظام الحاكم , ومن رأس السلطة الجديدة
ــ حسب ما اعترف "مرسي" بنفسه عقب أحداث سجن بورسعيد ــ لتكتمل دوائر
النوايا السوداء المتربِّصة بالوطن والثورة ومنجزاتهما , بالتضييق على
الإعلاميين وتخوين وتكفير القوى الثورية والتيارات الوطنية والأحزاب
المدنية , وضياع حقوق الشهداء بالبراءة للقتلة في سياقات غرائبية ربما تشي
بصفقات اقتصادية وسياسية بين أجنحة النظامين الساقطين .
وبدلا من
إعادة هيكلة وتطهير أجهزة ومؤسسات الدولة , كالقضاء والشرطة والمؤسسات
الإعلامية قام نظام ما بعد التفاهمات والتوافقات : الثيوقراطية ــ العسكرية
, بمحاولة بسط هيمنة شاملة وخانقة لجماعة الإخوان على تلك الأجهزة
والمؤسسات , وكافة مفاصل البيروقراطية المصرية والأجهزة التنفيذية
والاستراتيجية لضمان التمكين وربما التأبيد لحكم لا يحفل بمركزية الوطنية
المصرية , ولا يأبه بهوية هذا الشعب وكفاحه , قدر انشغاله بأجندات سياسية
وعسكرية إقليمية ودولية , قد لا تتمايز كثيراً عن انحيازات النظام السابق
إلا تمايزات الرداءة , واجتماع سوء النية بسوء الإدارة وانعدام الكفاءة ,
وقد انعكس هذا طيلة الفترة الماضية في مواقف وأفعال اخترقت جدار الحصانة
القضائية , واستهلكت سيادة القانون , وداست حقوق المجموع الشعبي في صياغة
توافق عام حول قضاياه المصيرية , وإعادة هيكلة السياسة الداخلية والخارجية
للدولة العائدة من قرون الشمولية , لتسقط ــ على غير هوىً من أصحابها ــ في
مستنقع التركيع والاستبداد المرتبطين بتفكيك الهوية الوطنية , وإلحاق
الدولة الأكبر في المنطقة بركب العاملين لصالح دويلات ميكروسكوبية أخرى
ومشاريع توسعية لا تبتغي خير اليلاد والعباد .
وهكذا أصبح من الصعب
ــ وطنياً وسياسياً وثورياً ــ الرهان على هكذا قوى فاشستية اقصائية ,
طالما كان العنف منهاجاً لديها , وطالما أجرت السمع والطاعة ــ وحسب ــ على
أفرادها , وتعمل في سبيل اجرائه على المجموع العام .
وقد ساهم ضعف المعارضة وتشرذمها وربما انحرافها ــ إلى حدٍّ ما ــ عن الأهداف والغايات العليا للثورة وسَعي بعضِها إثر مواءمات ومكاسب وحسابات سياسية قصيرة المدى , في دفع عجلة الجشع والغطرسة اللذين أشهرهما اليمين المتطرف بمنتهى الصلف والتبجّح في وجه القابضين على جمر الثورة وعلى عظام شهدائها , داعمين بهذا خطوات تغيير الوجه الثقافي والحضاري , وربما الجيوسياسي للأمة والدولة المصرية , وهو ما نجد إزاءه تقصيراً من كل القوى الثورية الحيَّة , صاحبة الانحيازات الثابتة والراديكالية في اتجاه التحقيق الكامل والعادل لكل مطالب الثورة , تقصيراً يتطلّب منهم شدَّاً على الأيدي , وقرعاً للنواقيس والعقول , كيما تستيقظ ضمائر الرفاق الذين لا نشكك في انحيازاتهم ولا في وطنيتهم , وإن أصبحنا غير واثقين من سلامة وجدوى حساياتهم .
وقد ساهم ضعف المعارضة وتشرذمها وربما انحرافها ــ إلى حدٍّ ما ــ عن الأهداف والغايات العليا للثورة وسَعي بعضِها إثر مواءمات ومكاسب وحسابات سياسية قصيرة المدى , في دفع عجلة الجشع والغطرسة اللذين أشهرهما اليمين المتطرف بمنتهى الصلف والتبجّح في وجه القابضين على جمر الثورة وعلى عظام شهدائها , داعمين بهذا خطوات تغيير الوجه الثقافي والحضاري , وربما الجيوسياسي للأمة والدولة المصرية , وهو ما نجد إزاءه تقصيراً من كل القوى الثورية الحيَّة , صاحبة الانحيازات الثابتة والراديكالية في اتجاه التحقيق الكامل والعادل لكل مطالب الثورة , تقصيراً يتطلّب منهم شدَّاً على الأيدي , وقرعاً للنواقيس والعقول , كيما تستيقظ ضمائر الرفاق الذين لا نشكك في انحيازاتهم ولا في وطنيتهم , وإن أصبحنا غير واثقين من سلامة وجدوى حساياتهم .
وهكذا
قررنا نحن ــ مجموعة من الثوار الذين لم يتركوا الميدان ولن ينشغلوا بمنصب
ولا سلطة ــ أن نؤسِّس " جبهة 11 فبراير" , كتكتُّلٍ يبتغي جمع شتات كل من
يقف منافحاً عن الثورة وأهدافها ومطالبها , وخالعاً عباءته الأيديولوجية
وانتماءه الحزبي الضيق , خاصة وقد أوصلتنا هذه الانتماءات إلى كوارث :
استفتاء مارس , ومهازل انتخابات مجلسي الشعب والشورى , وانتخابات الليمون ,
واستفتاء الدستور المشبوه .
11 فبراير هو اليوم الذى اخطأنا فيه
بالعودة لبيوتنا دون استكمالٍ لمطالب الثورة وأهدافها , وهو اليوم الذى
نريد إعادته لذاكرة الأمة , ولواجهة المشهد ــ كعودٍ على بَدء ــ لنبدأ من
حيث تركنا الراية وأسلمناها للسقوط أرضاً , مستعيدين ثورتَنا المسروقة , من
الفرع الثاني في شجرة نظام الحزب الوطني , عبر تفكيك أذرع النظام الساقط
وأذنابه القائمين , سعياً نحو بناء أركان حرية وعدالة اجتماعية حقيقيَّتين ,
وبناء دولة مؤسسات مدنية , تتمتع بسيادة قانون وفصل واضح بين السلطات ,
وانتخاب جمعية تأسيسية من ذوي الكفاءة والخبرة والانحيازات الوطنية لصياغة
دستور يليق بمصر وثورتها , ودماء شهدائها الذين لن نشعر باكتمال ثورتنا سوى
بالقصاص الكامل لهم , ومحاكمة كافة المتورطين والوالغين في دمهم منذ
الخامس والعشرين من يناير 2011 , وحتى الآن .
وليعلم الجميع أننا
نُسطِّر عهداً مع الله والوطن , ونهر الدماء الذي تفجّر قبل عامين ومازال ,
عاقدين العزم على استمرار النضال , واثقين من أننا على الحق نقف , وواضعين
نُصبَ أعيننا ــ وتجاه خصوم ثورتنا ــ قول الله تعالى " وسيعلم الذين
ظلموا أي منقلب ينقلبون " .
الله , الوطن , الثورة .
جبهة 11 فبراير
جبهة 11 فبراير
